وهبة الزحيلي
251
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
المناسبة : بعد أن ذكر تعالى بعض قبائح اليهود ومخازيهم من مسارعتهم في الإثم والعدوان وأكل السحت ونحو ذلك من جمع المال من حلال أو حرام ، ذكر هنا أقبح مخازيهم وصفاتهم وسيئاتهم ، بجرأتهم على ربهم ، ووصفه بالبخل ، مما لا يقول به عاقل ، تعالى اللّه عما يقولون علوا كبيرا . التفسير والبيان : وصفوا اللّه تعالى بأنه فقير وهم أغنياء ، ووصفوه بالبخل بقولهم : يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ أي قال بعض اليهود - لما أصيب بأزمة مالية بسبب تكذيبه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم - ، ونسب إلى الأمة لتكافلها فيما بينها - : إن اللّه بخيل . وغل اليد : مجاز عن البخل ، ويد اللّه مغلولة : بخيلة وبسطها : كناية عن الجود والكرم . فهم لا يعنون بذلك أن يد اللّه موثقة ، ولكن يقولون : بخيل يعني أمسك ما عنده من موارد الرزق بخلا ، قال تعالى : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ ، فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً [ الإسراء 17 / 29 ] يعني أنه ينهى عن البخل وعن التبذير وهو زيادة الإنفاق في غير محله . ورد اللّه عز وجل عليهم ما قالوه وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه ، ودعا عليهم بالبخل والطرد من رحمته ، فقال : غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا وهو دعاء عليهم بالبخل والنكد والإمساك عن الخير ، فكانوا أبخل خلق اللّه وأنكدهم . ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدي حقيقة ، يغللون في الدنيا أسارى ، وفي الآخرة معذبين بإغلال جهنم . وأثبت اللّه تعالى في رده عكس ما يقولون فقال : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ « 1 » يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ أي بل هو الجواد الواسع الفضل ، الجزيل العطاء الذي ما من
--> ( 1 ) نؤمن باليد من غير تشبيه ولا تجسيم ، والظاهر هنا إرادة الإنعام على الجملة ( تفسير ابن عطية 4 / 509 ، 512 ) .